السبت، 10 أكتوبر، 2015

الحوتة أكلت القمر

ربما هي خرافة أو أسطورة أو خيال ملأ عقول الأجداد والأسلاف حين كانوا يقولون عند الخسوف: " الحوتة أكلت القمر"
.. !
الحوتة إذاً هي أكثر الكائنات المخيفة لديهم لأنها ضخمة جداً بحيث تستطيع أن تطال السماء وتصل للقمر، لأنها تختبئ في البحر وتخيف المراكب الشراعية والغواصين هواة اللؤلؤ..
لأنها حوتة لا هم لها سوى أن تأكل وتشبع حتى لو سرقت ضوء القمر المكتمل من أعين الناس!
نسوا تماماً أن الحوتة حملت نبياً خائفاً في بطنها، حتى نزلت على قلبه السكينة، ونسوا أيضاً أن الظلمات التي أحاطت به في بطنها وفي جوف البحر لم تكن تحتاج إلى قمر جميل يضيء لياليه فيطمئن وتزول وحشته، كان يسبح دائماً ويصلي
، كان يضيء روحه ويملؤها بالسلام
لم ينتبهوا إلى أن الإنسان هو الكائن المخيف حقاً
إنه يملأ العالم بالظلام حين يكره أو يظلم أو يحسد ،
إنه يضيء الكون حين يحب ويغفر
حين يقبل ويسامح ..
يسامح نفسه أولاً ويسامح الآخرين.
الحوتة الجميلة وصاحبها القمر تعلمنا كل هذا إذاً ..!

السبت، 3 أكتوبر، 2015

لغة الكون

اليوم سقطت "حقيبة اللغة" من يدي وأنا أمشي وتناثرت مني في منتصف الشارع، وقفت باندهاش أتأمل المشهد لثوان حتى أستوعب ما حدث،
انتبهت إلى السيارات على يميني، ثم نقلت بصري إلى ما تناثر، فتحت فمي كالأطفال وغطيته بيدي وأنا أشهق ، نزلت ألملم البطاقات، وأنا أنقل بصري بينها وبين الشاحنة الخضراء الضخمة القادمة من جهة اليسار، ثم جمعت ما يمكن جمعه، رآني الرجل الآسيوي الطيب الذي كان جالساً على ناصية الطريق يصلح الأحذية، رآني وأنا خائفة على كنزي من ضياع الوقت قبل أن تصل الشاحنة، نهض من مكانه واقترب ليساعد، خرجت من المصبغة امرأة شقراء طويلة واقتربت تلملم معي البطاقات، رفعت بصري إلى سائق الشاحنة العملاقة التي كادت تقترب وقلت له بعينيّ : ألا ترى؟ يجب أن تتوقف حتى نجمع بطاقاتنا( الآن هي بطاقاتي أنا ومصلح الأحذية والمرأة الشقراء ) عندها وصلت الشاحنة الخضراء وانحرفت بمسارها قليلاً لتسمح لنا بجمع ما نجمعه،
الآسيوي عاد إلى عمله عندما اطمئن عليّ مع المرأة الشقراء، سائق الشاحنة لم يكن غاضباً، السيارات على اليمين كانت متوقفة، المرأة الشقراء ابتسمت وأنا أردد لها كلمات الشكر والامتنان لحسن صنيعها..
كنت أضحك بدهشة
وأنا أنظر للعالم وأتذكر باولو كويلو .. " عندما تريد شيئاً ما فإن الكون بأسره يتضافر ليوفر لك تحقيق رغبتك"
.
.
.
حقيبة اللغة هي مجموعة الصور والكلمات التي تستخدم لتنمية حصيلة المفردات عند الأطفال وتطويرها

السبت، 19 أبريل، 2014

١٠٠ يوم سعيد



انتشر هذا التحدي مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي تحت مسمى " ١٠٠ لحظة سعيدة " أو " ١٠٠ يوم سعيد" و هو جزء من الحملات التوعوية الكثيرة التي تهدف إلى رفع إيجابية الذات الإنسانية وإشاعة روح التفاؤل والسعادة.
تعسرت إذن الأفكار الإعلامية التي تروج لكل ما هو مادي في زماننا لتنتقل إلى صعيد مختلف بعيداً عن المنتجات الملموسة بكل أرباحها، وتضع أقدامها على أرض رخوة تماماً وتسميه تحدياً للذات قد يعجز الكثيرون عن إتمامه أو دخوله أصلاً ، ذلك أن أحدنا يسأل : هل من السهل أن تبحث كل يوم عن شيء يجعلك سعيداً أو مبتسماً مع كل العقبات والمنغصات التي نواجهها؟
في مجال الدراسة مثلاً والتعب الجسدي النفسي الذي يرافق فترة الامتحانات ؟ أو في مكان العمل حين يضع المدير صباحاً قهوته على مكتبه وهو يعطيك الأوامر ولا تجد أنت وقتاً لشرب قهوتك!
في ظروف العائلة وعتاب الأصدقاء ! في شارع مغلق أو ازدحامٍ خانق، في أملٍ مؤجل ليومٍ لا تعرفه؟!!
كل هذا يواجهنا جميعاً، نمرّ به كل يوم ، لكن أحدنا يختار أن ينظر إلى الجانب المشرق أو إلى النصف الممتلئ من الكأس ، أن يتذكر مثلاً فرحة التخرج بعد مشوار طويل متعب، أو يفكر في سنوات الخبرة التي سيضيفها لسيرته الذاتية بعد جهده في العمل، أن يتوقف عن ربط الازدحام والانتظار بكل ما يبعث على الملل والكآبة ليستغل هذا الوقت في قراءة كتاب!
حسناً ينبغي لنا أن نتذكر أمراً واحداً قبل كل هذا، القاعدة الأساس التي أظنني بنيتُ عليها هذا التحدي وهي قدرة أحدنا أن يحمد الله في السراء والضراء، وأن يقنع بما عنده، أن يرضى ويقدّر النعم الجميلة المحيطة به " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"
هذا لا يعني أن يتكاسل أو يتوقف في مكانه بل عليه أن يكمل تحقيق أهدافه وأحلامه.

الصورة أبلغ من الكلام لذلك كان المنهج المتبع في هذا التحدي أن يضع الشخص صورة لأي شيء جعله يشعر بالسعادة في ذلك اليوم، وأن يستمر على ذلك لمدة ١٠٠ يوم على التوالي حتى لو كان الأمر عشاءً عائلياً معتاداً أو كوب شاي، حتى لو كان سعادة عابرة وقصيرة تشع في الروح عند نزول المطر ، فقط اختر الصورة و دوّن ذلك في صفحتك على أي مكان في الشبكة، ابتسم، انقل عدوى الفرح ، هذا بسيط جداً ، من يقرر أن يكون سعيداً يشارك الآخرين سعادته، عليك أن تبدأ وتحاول.

أرى أنه من الصعب أن نعثر كل يوم على لحظة واحدة تستحق أن نسمي لأجلها يومنا يوماً سعيداً ولذلك أنت تتحدى نفسك حين تدخل في هذا السباق لتكتشف مع الوقت أنك صرت ترى السعادة في الأشياء البسيطة مثل ابتسامة طفل أو شجرة أزهرت عند بوابة البيت، بل أنك ستبقى في حالة ترقب وانتظار للحظة الموعودة التي تملؤك بالسلام الداخلي " وتوقع خيراً مهما كثر البلاء ".
تبقى بعض التساؤلات التي لا بد منها :
هل تنجح هذه الحملة في استقطاب الناس الذين يبحثون عن السعادة حول العالم ؟
هل يمكن أن تكون جزءاً من تقنيات التجسس التي تعتمد على جمع صور المستخدمين لتخزين المعلومات عنهم ؟

لم أستطع شخصياً أن أكمل كتاب ماركيز " ١٠٠ عام من العزلة" لأنني كنت كسولة في القراءة وقت اقتنائي له ، لكنني الآن أشعر بدافع متوهج لأبحث عن ١٠٠ لحظة سعيدة يتجدد فيها الرضا والحب وشكر الله على كل نعمة لم نوفه حق شكرها.



الأحد، 2 مارس، 2014

دروس

الدروس الكبيرة التي تعلمتها لم تأتِ من تجارب كبيرة دائماً، أصغر التفاصيل قد تترك آثاراً على قلوبنا مدى العمر، بعض التجارب الكبيرة لا تعلمنا الكثير، نخرج منها بحكمة واحدة فقط ويبدو أنها لا تفقدنا القابلية على تكرارها مجدداً، التاريخ لا يعيد نفسه.. لكن البشر يعيدون ارتكاب الحماقات ذاتها.. هذا ما أقوله لنفسي دائماً حتى لا يقع اللوم على التاريخ.
أخاف أحياناً من الاعتراف أننا نجمع الندبات والجروح على مدى السنوات ونختار لها اسماً لائقاً فنقول  " دروساً "
 نقول ذلك بما يكفي لنبتسم أو ننسى، و  بما يكفي لنكمل مهما كانت الظروف.!
لا نختلف أحياناً أن " كله من عند الله" ، لكن هذا طريف جداً، هل تذكرون عندما كنا صغاراً وقيل لنا بأن الأطفال يأتون من عند الله؟
هل تذكرون حين كبرنا قليلاً إلى المرحلة التي شعرنا فيها بالحزن البالغ حين اكتشفنا أن الأطفال لا يسقطون من السماء مثل المطر ولا يأتون ببساطة هكذا من عند الله؟ وأن على والديك أن يقوما بأمرٍ ما حتى يتكون الأطفال؟ وأنه لا يعجبك التفكير أنهما ارتكبا ذلك حقاً!
الأطفال لا يأتون مثل المطر، ولا يمكن أن يصدق مخلوق أن كل ما يحدث هنا هو من عند الله كأنه لم يمنحك إرادة أن تفعل شيئاً.
أقول الآن: إن بقاء ندبة في قلبك لا يعني أنك تعلمتَ الدرس تماماً، لكنه قد يعني أنك لن تكرر الأخطاء بالفداحة ذاتها، الأخطاء ! يا لها من كلمة غريبة ،، الأخطاء التي نمسك بأيديها خلسة فتلتصق بتاريخ حياتنا وتعود تعصف في الذاكرة كإعصار لا يهدأ، كم نحن مدينون لها!

الثلاثاء، 18 فبراير، 2014

نحو التغيير

أعرف امرأة تجاوزت الأربعين ولم يتغير سلوكها الاجتماعي وطقسها النفسي،
أعرف الكثير من الأشخاص الذين يتذمرون كلما شرعوا في إحصاء ابتلاءاتهم ومشاكلهم، وسوء أخلاق أزواجهم، دون أن ينتبهوا مرة واحدة أنهم بشرٌ أيضاً ويخطؤون كغيرهم!
تتحدث الكثير من الكتب والدراسات الحديثة عن التأثير الفعال لقوة الدماغ في التغيير المادي من حولنا، وأقول أن كل هذا يأتي من مفهومنا للعالم ، إنه لا ينحصر في تعريف الأشياء حولنا من جمادات وأحياء، بل العالم هو فكرتنا ومفهومنا نحن عنه، فلو كنت ترى أن حديقة مليئة بالورود جميلة جداً قد أراها أنا عكس ذلك تماماً وقد يعود هذا للمفهوم والتجارب المسبقة التي ارتبطت بالورود والتي أحملها في دماغي.!
تحدثنا هذه الدراسات عن المشاعر الإنسانية التي تتولد في لحظات معينة، فتقول أن لا أحد لديه القدرة على استفزازك أو إغضابك مادمت لا ترغب بذلك، إذن أنت تستطيع أن تختار بين الحزن والفرح، بين التفاؤل والتشاؤم مهما كانت الأحداث الواقعة أمامك.
هذا يعني أن تغيير أفكارنا ومشاعرنا السلبية إلى سلسلة أخرى من الأفكار إيجابية له بالغ الأثر في التغيير الفعلي لعالمنا الفيزيائي.
أعود إلى السيدة التي تجاوزت الأربعين لأقول أنه من المحزن حقاً أن يصل المرء إلى هذا السن وهو يحمل الأفكار ذاتها التي كان يحملها في السادسة عشر، بل أكثر من ذلك : أن يبقى بالسلوك ذاته الذي نشأ عليه عندما كان في الخامسة!
إن علماء السلوك يشجعوننا دائماً على التغيير الإيجابي لأي سلوك نرغب في تغييره، ويؤمن هؤلاء بمبدأ التربية الذاتية، حيث يعزز المرء نفسه كلما قام بالسلوك الإيجابي المرغوب، ويعاقبها إن فرّط فيه أو تكاسل عنه أو أقدم على سلوك آخر غير مرغوب.
يبقى أن نلخص الفكرة في هذا المضمون : إذا تغيرت أنت فسوف يتغير العالم من حولك، سيختلف تعامل الآخرين معك، فاختر أنت إلى أين تقود هذا التغيير. 

الأحد، 16 فبراير، 2014

حقيبة حمراء



كل يوم أعبر هذا الشارع الذي يطل عليه مبنى صحيفة "م" ، الزحام الخانق هنا و رائحة الاسفلت وصوت احتكاكه بعجلات السيارات يجعل الانتظار شاقاً ومملاً كالعادة،لم أتناول شيئاً، أشعر بالارهاق والتعب ..لا أريد أن أتذكر أن دوار رأسي يفقدني شهيتي، أصبت بالانفلونزا منذ أيام و انتقلت العدوى لأفراد الأسرة حتى أشفقت على نفسي وعليهم .. التوقف الإجباري جعلني أتمعن في المبنى بكل بواباته ومواقف سيارات موظفيه، أتذكر هذه الأرض التي كانت مرابع طفولتي، معظم الرحلات التي نظمتها روضة الخير كانت إلى عالم الأطفال، لافتة صفراء كبيرة كانت تعلو المبنى وصورة طفلين يضحكان بسعادة ..أظن أنني كنت في الخامسة حين اعتقدت أنها الجنة فعلاً أو ما يشبهها، ربما كنت طفلة مدللة، وهذا ما جعلني كل مرة أضع علامة موافق في الرسالة التي تبعثها الروضة إلى أولياء الأمور لتخبرهم عن تنظيم هذه الرحلة .
كان هذا الجزء المليء بالألوان والضحك والفرح المشتعل، الجزء الذي أحبه في سرد الحكاية، لكن ماحدث فعلاً ولا أستطيع نسيانه أنني ذات مرة فقدت  حقيبتي الصغيرة في عالم الأطفال هذا ، حقيبة الطعام البلاستيكية التي اشتراها لي أبي وكنت أحبها جداً لأنها متفردة ولم يكن أحدٌ من أقراني يمتلك حقيبة مثلها، لم يحدث أبداً - وقد تجاوزت العشرين- أن رأيت حقيبة كما كانت هي بشكل حافلة حمراء يطل من نوافذها أرنب وقرد وأسد وخروف.. يبتسمون ويلوحون بأيديهم!
عندما وصلنا، استقبلتنا المرأة التي تنظم دخول الأطفال عند البوابة و أخذت حقيبتي وحقائب زملائي ، قالت أنها ستحفظهم في المكان المخصص لذلك، بعدها ركضتُ مسرعة مع بقية الأطفال لنبدأ المغامرة في قصر الألعاب ونسيت تماماً أمر الحقيبة لأنني ظننتها في أيدٍ أمينة ولأنني ببساطة أمتثل للقوانين.
عندما انتهى وقت اللعب اتجهنا نحو بوابة الخروج وذهبت لاستلام حقيبتي، كانت المفاجأة أن لا أحد يعلم مكانها ولا حتى المرأة التي تحرس البوابة في ذلك المكان !
ربما فقد بعض زملائي حقائبهم ، لكن خساراتهم لم تكن بحجم خسارتي، أو هكذا ظننت وقتها ما دفعني إلى البكاء بمرارة حتى أتت مديرة الروضة وحملتني على كتفيها، أتذكر منظر العالم من الأعلى فوق أكتاف المديرة والأفق ممتلئ بالدموع حيث كنت ألتقط أنفاسي، وجوه المحيطين اختلفت بين الحيرة والشفقة والضحك، وأنا شعرت بالحسرة على حقيبتي الجديدة وحيواناتها المبتسمة التي لم يساعدني أحد في العثور عليها حتى عدت إلى البيت دونها..!
اختفى عالم الأطفال من المكان،الآن أصبح هذا المبنى لصحيفة تتبع النظام الرسمي ، صحيفة عميت عينيها وأقلام كتّابها أن ترى الحقيقة، أو ربما رأتها بوضوح فعميت عن نقلها، هذه الأرض إذاً منذ طفولتي وحقائب الناس تضيع فيها، حقائبهم الحمراء الجديدة، التي يحملون فيها طعامهم ويظنون أنها أجمل ما قد يحصلون عليه أبداً، حتى ولو كانت بهذه البساطة.

الثلاثاء، 21 يناير، 2014

نصوص مُتعَبة

.. كثيرٌ من الحبر يبقى
كثيرٌ من الحب يمضي


(١)
ما يريحني الآن هو أن أكتب نصاً يشبه الموشحات بكامل سحرها دون أن يكون مثلها، عارياً من كل خوف، طاهراً من كل حزن، نصاً يشبه قافية الكاف الساكنة بحدتها وبلاغتها، الكاف الساكنة كلما اصطدمت بقلبي أعادت إليه الحياة كما يفعل المسعفون، الكاف الساكنة تشبهني كثيراً.. لو كانت الخيارات تتاح لنا قبل أن نُخلَق لاخترتُ أن أكون إما شجرة لوز ممتدة ومثمرة بالبياض، وإما قافية كافٍ ساكنة في قصيدة بن زيدون.. " ودّع الصبرَ مُحِبٌّ ودّعَك، ذائعٌ من سرّهِ ما استودعك"

(٢)
الآن لن يريحني إلا أن أكتب عن الشارع الذي يقع بين بيتنا وبيت جارنا، أعتقد أن هناك نصوصاً كثيرة كتبت عن الشوق والمحبة والثورة ، أريد أن أكتب نصاً عن الشارع، عن وجدان الطرق وارتباطها بنا، عن مساحاتها المتعبة من خطو أقدامنا.. عن تسرب أنابيب المياه وجريانها بعفوية في ممراتها الضيقة وسط القرى، عن هروب الأطفال في أماكن الانفجارات وتوسدهم إياها في غفلة هذا العالم!
ترى كيف يشعر الطريق تجاه روائح الأحذية و التصاق الأرصفة البرجوازية بجانبه!
كيف يحتك جلده الإسفلت كل يوم بعجلات السيارات ويبقى صامتاً هكذا !
ينبغي أن أجد حلاً  لكل هذا الفراغ، أهرب من الكتابة حتى لا أصطدم بأحد أو أتذكر أحد، أهرب إلى الحديث عن الطريق والأزقة والممرات أيضاً لأنها لم تخذلني يوماً، لم أبكِ على صدرها، لم أتعلق بها، الطريق لم ينتظرني يوماً، غير أنه يرحب بي على الدوام، الطريق لم يعدني بشيء ولم يوهمني بشيء، لم يكتب القصائد التي أشتبه فيها: هل كُتبت لي أم لفتاة غيري!؟..
الطريق طاهرٌ من كل هذا.

(٣)
ما توقف هذا الصداع وأنا أكتب قصيدة،
لا أتذكر من الذي قال لي يوماً: " أكون لكِ حبة بنادول؟ "
أتذكر فقط أنني أصبت بالغثيان وقتها وقبّلت علبة الدواء - وهو المسكن الناجع لكل الآلام-  معلنةً انحيازي إليه كوسيلة لإيقاف الصداع، ورغبتي التامة في أن يتخذ كلٌ موقعه في حياتي على مسافات صحيحة، الأب أبٌ فقط، الأصدقاء أصدقاء فقط، المعلّم معلّمٌ فقط، وأنا أكون لنفسي كل ما سبق وأكثر..
 لم أعد أؤمن بفكرة وجود شخص يكون لك كل شيء، إنها فكرة قاتلة حقاً ولا أنصح بتجربتها، هذا الشخص السحري الذي يشبه " البنادول" سوف يهزمك، وإن طال الوقت ستشعر أنه يقضي عليك تماماً ويلغي هويتك حتى لو كان باختيارك ورغبتك.
عليك أن تكون أنت بنادول نفسك، وصديقها وحبيبها إن تطلب الأمر.